مقالات عطرية

لماذا تعود العطور القديمة؟ الأمر أكثر من اشتياق للماضي!

هناك شيء ملفت للانتباه يحدث في عالم العطور هذه الأيام.

عطور ظننا أنها انتهت، أو اختفت مع مرور الوقت، وفجأة إذ بها تعود لتتصدر المشهد. أحيانا بنفس الاسم، وأحيانا في عبوة جديدة، ومن الممكن أن نراها بعد تعديل التركيبة وإضافة كلمة مثل “إصدار جديد” أو “عودة رائحة الماضي “.

في البداية يمكن تفسير الأمر بسهولة: الحنين إلى الماضي.

لكنني لا أعتقد أن الحنين وحده يفسر كل شيء.

في الوقت الحالي الماضي أصبح متاحا أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع تطور التكنولوجيا ووسائل التواصل، فلو كنت تريد قبل عشرين أو ثلاثين عاما أن تعرف كيف كانت الموضة أو الموسيقى أو الإعلانات في العقد السابق، لم تكن تملك مكتبة ضخمة في جيبك.

فالمصادر الوحيدة التي كانت تنقل لنا الصورة هي التلفزيون، أو مجلة قديمة، أو ألبوم يحتفظ به أحد أفراد العائلة، وربما فيلم تراه بالصدفة.

أما اليوم، فالماضي موجود في جيبك، تراه كل يوم ولو بدون قصد.

جيل لم يعش فترة التسعينيات مثلا يستطيع خلال دقائق مشاهدة إعلاناتها، الاستماع إلى موسيقاها، متابعة أفلامها، رؤية أزيائها، والبحث عن المنتجات التي كانت تباع وقتها واقتناءها.

وبالطبع هنا العطور ليست استثناء

صورة قديمة لعطر سي كي ون، أو إعلان لشانيل، أو عبوة شاليمار يمكن أن تظهر أمام شخص لم يكن قد ولد عندما كانت هذه العطور في أوج انتشارها.

وهنا يحدث شيء مثير للاهتمام: العطر الذي كان بالنسبة إلى جيل سابق جزءا من الحاضر، يصبح بالنسبة إلى جيل جديد قطعة من الماضي يمكن اكتشافها للمرة الأولى.

وهذا فرق مهم.

ربما لا نشتاق إلى الماضي بقصد… ربما نكتشفه بالصدفة

أحيانا أشعر أن كلمة “نوستالجيا” تستخدم بسهولة أكثر مما ينبغي.

ليس كل شخص يشتري عطرا قديما يحاول استعادة ذكريات طفولته. فكيف لشخص ولد بعد إطلاق العطر أن يشتاق إلى شيء لم يعشه أصلا؟!

بالنسبة إليه، العطر ليس ذكرى. بل هو اكتشاف.

البحث عن التميز لا الحنين

وهنا أجد تفسيرا آخر لعودة كثير من العطور القديمة. بعض الشباب لا يبحثون بالضرورة عن الماضي الذي عاشوه، بل عن شيء يبدو مختلفا عن الحاضر، شي يجد فيه نفسه ويميزه في زمن أصبح كل شئ في نظره مكرر.

العطر الذي كان مألوفا جدا في عام 1998 يمكن أن يبدو اليوم غريبا لشخص لم يشم رائحته من قبل.

وهذا تبرز المفارقة الجميلة في عالم العطور، أحيانا يكون الشيء القديم أكثر قدرة على إبهارك من الجديد، ببساطة لأنك لم تختبره من قبل.

رؤية شركات العطور

الشركات لاحظت ذلك أيضا، بالطبع عندما يتعلق الأمر بالشركات التجارية فلا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الجانب المادي.

عندما يبدأ المستهلكون بالسؤال عن عطر اختفى، أو يطالبون بعودته، فهناك رسالة واضحة تصل إلى الشركات.

والأمر لم يعد مقتصرا على التخمين.

بعض العلامات أصبحت تسأل جمهورها صراحة وبشكل مباشر عن العطور التي يرغبون في رؤيتها مجددا. إذا كان هناك منتج قديم ما زال يحتفظ بقاعدة من المعجبين بعد سنوات من اختفائه، فلماذا لا تعطيه الشركة فرصة ثانية؟

في الماضي، كان اختفاء العطر يعني في كثير من الأحيان أن عليك تقبل الأمر.

أما اليوم، فهناك مساحة أكبر لإعادة النظر.

والسبب ليس عاطفيا فقط؛ هناك جمهور جاهز بالفعل.

لكن السؤال الأهم هنا، هل إعادة الإصدار تعني عودة العطر نفسه؟

عند التفكير بهذا الأمر، هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا.

أنا شخصيا أجد أن كلمة “عودة” تحتاج إلى بعض الحذرعند استخدامها في هذا السياق.

لأن العطر الذي يعود اليوم قد يحمل الاسم نفسه، والعبوة نفسها أو نسخة قريبة منها، لكنه ليس بالضرورة العطر الذي تتذكره.

وهذا موضوع يستحق مقالا مستقلا في حد ذاته.

المواد الخام تتغير، التركيبات قد تتغير، الأسواق تتغير، وحتى ذوق المستهلك نفسه يتغير.

لذلك هناك فرق بين أن تعود هوية العطر وأن يعود العطر كما كان تماما.

ولهذا السبب، إذا كنت تريد فعلا معرفة ما الذي كان عليه عطر قديم، فإن تجربة النسخة الأصلية “Vintage” قد تكون أكثر إثارة من شراء إعادة الإصدار مباشرة.

ليس لأن القديم أفضل بالضرورة، وإنما لأنه ببساطة تجربة عطرية من زمن آخر.

ولا ننسى أن الإنترنت جعل الزمن كله في متناول اليد، ويمكنني القول أن هذه هي النقطة التي أجدها الأكثر إثارة فيما يخص الحنين للماضي.

الماضي لم يعد بعيداً

نحن نعيش في عصر لم يعد فيه الماضي بعيدا.

يمكن لشخص أن يقضي مساءه في مشاهدة مسلسل من فترة التسعينيات، ثم يبحث عن ملابس كانت رائجة وقتها، ثم يجد إعلانا قديما لعطر كان يستخدمه أحد أبطال المسلسل، وبعد دقائق يستطيع البحث عن العطر وقراءة آراء الناس حوله، ويمكن أن يجد أيضاً متاجر تبيع هذا العطر كذلك.

لم يعد هناك حاجز حقيقي بين الأجيال والزمن.

فكل شيء تقريبا أصبح قابلا لإعادة الاكتشاف.

ولهذا لا أستغرب أن ترى عطور التسعينيات وبدايات الألفية تعود إلى النقاش من جديد. ليس لأنها كانت بالضرورة أفضل، وإنما لأنها أصبحت متاحة للاكتشاف من جديد.

كثرة العطور جعلت كل شيء ممكنا

هناك سبب آخر ربما لا يحظى بالاهتمام الكافي. نحن نعيش في سوق عطور ضخم إلى درجة مذهلة.

كل أسبوع هناك أسماء جديدة، إصدارات جديدة، نسخ محدودة، إعادة إصدار، تعاونات، عطور مستوحاة من الماضي، وعطور تحاول أن تتميز عن كل ما سبقها.

ووسط هذا الكم الهائل، لم يعد هناك توجه واحد يسيطر على الجميع.

يمكن لعطر مستوحى من السبعينيات أن يجد جمهوره، وعطر مستقبلي غريب أن يجد جمهوره أيضا.

يمكن لعطر وردي ناعم أن ينجح في مكان، بينما يحقق عطر داكن ومدخن اهتماما في مكان آخر.

وهذا ربما أحد أجمل الأشياء في وفرة الاختيارات، رغم أنها قد تكون مرهقة أحيانا: لم يعد عليك أن تحب الشيء نفسه الذي يحبه الجميع.

هل النسخة القديمة هي دائما الأفضل؟

باختصار، لا.

وأعتقد أن هذه نقطة مهمة.

هناك ميل طبيعي لدى عشاق العطور للحنين للماضي ومتعلقاته، وكأن كل ما صدر قديما كان عظيما وكل ما يصدر اليوم أقل قيمة.

هذا غير صحيح.

بعض العطور القديمة رائعة فعلا.

وبعضها أصبح عاديا جدا مع مرور الوقت.

وبعض إعادة الإصدارات تستحق الاهتمام، وبعضها مجرد محاولة للاستفادة من اسم معروف.

وفي المقابل، هناك عطور حديثة ستصبح بعد عشرين عاما هي الأخرى “العطور القديمة التي يتحدث عنها الناس”.

ربما نحن فقط لا نعرفها بعد، أو أنها ظلمت بسبب المنافسة أو الحملات الاعلانية السيئة.

فربما المشكلة ليست في الحنين

لذلك، عندما أرى موجة جديدة من إعادة إصدار العطور، لا أراها مجرد محاولة للعودة إلى الوراء.

أراها جزءا من علاقة أكثر تعقيدا بيننا وبين الزمن.

نحن نعيش في حاضر سريع جدا، وفي الوقت نفسه لدينا وصول غير مسبوق إلى كل ما سبقه.

والأجيال الجديدة لا تحتاج إلى أن تعيش التسعينيات حتى تكتشفها. يكفي أن تفتح هاتفها.

قد تعثر على صورة لعطر قديم، يعجبك شكله، تبحث عن قصته، ثم تقرر تجربته.
وبهذه اللحظة تحديدا، يتحول الماضي إلى شيء جديد.

وهذا ربما هو التناقض الجميل في الموضوع كله:

العطر القديم لا يعود دائما لأنه كان أفضل، بل أحيانا لأنه أصبح جديدا مرة أخرى بالنسبة إلى شخص لم يعرفه من قبل.

أما السؤال الأصعب، فهو: هل نريد حقا الماضي كما كان، أم أننا نريد فقط الإحساس بأن هناك شيئا لم نكتشفه بعد؟

ربما لهذا السبب ستستمر العطور القديمة في العودة.

ليس لأن الماضي يرفض الرحيل، وإنما لأن كل جيل قادر على اكتشافه بطريقته الخاصة، ويرى فيه شئ لم تره الأجيال السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى