مقالات عطرية

لماذا تبدو ماركات العطور متشابهة؟

أحيانا أتصفح متجرا إلكترونيا للعطور أو حسابات الشركات الجديدة على إنستغرام، فأشعر أنني رأيت هذه الزجشرماجة من قبل.

ليس الزجاجة نفسها حرفيا، بل الفكرة كلها. اللون ذاته، الغطاء نفسه تقريبا، الصور بالأسلوب نفسه، والكلمات نفسها: فاخر، استثنائي، نادر، مصنوع بعناية.

ولو أخفينا الأسماء والشعارات ووضعنا عشر علامات مختلفة بجانب بعضها، فهل سيتمكن القارئ من معرفة أي زجاجة تعود لأي علامة؟

في كثير من الأحيان، ستكون المهمة أصعب مما نتوقع.

لكن لماذا يحدث هذا؟ هل الجميع يقلد الجميع فعلا؟ أم أن هناك شيئا أعمق يحدث خلف الكواليس؟

تشابه ماركات العطور لا يبدأ دائما من المصمم

التفسير السهل هو أن العلامات تنسخ بعضها. ربما يحدث هذا أحيانا، لكن الواقع أكثر تعقيدا.

فكثير من أصحاب العلامات يشاهدون الصور نفسها، ويحفظون الأفكار من المنصات نفسها، ويتابعون الاتجاهات ذاتها. عندما يقضي عشرات الأشخاص وقتهم داخل البيئة البصرية نفسها، فمن الطبيعي أن يكون الإلهام واحد ويصلوا إلى نتائج متقاربة حتى من دون تقليد مباشر أو مقصود.

لكن هذه ليست القصة كاملة.

هناك جزء من التشابه لا يراه المستهلك عادة، وهو أن صناعة العطور نفسها تعتمد أحيانا على شبكة مشتركة من الموردين والمصانع وشركات التغليف.

عندما يكون المورد واحدا

تخيل أن عشر علامات مختلفة تبحث عن زجاجة جديدة لعطرها.

قد يذهب الجميع إلى المعرض نفسه، أو يتصفحون الكتالوج نفسه، أو يتعاملون مع الشركة نفسها التي توفر الزجاجات والأغطية والعلب.

المورد بدوره يعرض أكثر التصاميم طلبا وانتشارا، لأنها الأكثر أمانا تجاريا. وإذا اختارت عدة علامات هذه الخيارات، فستبدأ المنتجات بالتشابه حتى قبل أن يبدأ المصمم عمله.

الأمر لا يتعلق بالزجاجات فقط

الأغطية المعدنية، البخاخات، العلب المخملية، الملصقات، وحتى بعض تفاصيل التغليف تأتي أحيانا من مصادر متشابهة. المورد المشترك لا يفرض هوية واحدة، لكنه يحدد نقطة البداية، ومن هنا يبدأ التشابه بالظهور.

لهذا السبب قد ترى علامتين لا علاقة بينهما، ومع ذلك تشعر أن بينهما قرابة بصرية غريبة.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية.

كثير من العلامات الصغيرة تعتمد على قوالب جاهزة للمواقع الإلكترونية، أو تصاميم التغليف، أو الخطوط المستخدمة في وسائل التواصل. هذه الأدوات تجعل العمل أسرع وأقل تكلفة، لكنها تحمل في داخلها قرارات تصميم اتخذها شخص آخر مسبقا.

وعندما تستخدم مئات العلامات الأدوات نفسها، يصبح من الصعب إنتاج شخصية فريدة ومختلفة.

المشكلة هنا ليست في استخدام القوالب نفسها، بل في الاعتقاد أن جمع عدة قوالب جاهزة يمكن أن يصنع هوية متكاملة.

في كثير من الأحيان، النتيجة تكون مجرد متوسط بصري يشبه الجميع ولا يشبه أحدا في الوقت نفسه.

الخوف يلعب دورا أكبر مما نعتقد

هناك سبب آخر أقل وضوحا، لكنه ربما الأكثر تأثيرا: الخوف.

القرار المختلف يبدو غريبا في البداية.

إذا كانت كل الزجاجات سوداء أو شفافة، فاختيار لون جريء قد يبدو مخاطرة. وإذا كانت جميع العلامات تستخدم لغة هادئة ومحايدة، فإن تبني أسلوب مختلف قد يثير القلق.

ولهذا تعود كثير من العلامات إلى المنطقة الآمنة.

المشكلة أن المنطقة الآمنة تصبح مزدحمة ومكررة مع الوقت.

وكلما ازدحم المكان، أصبح من الصعب أن يلاحظك أحد.

ماذا يحدث عندما تتشابه العلامات؟

النتيجة لا تكون جمالية فقط، بل تجارية أيضا.

إذا لم يستطع العميل تذكر اسم العلامة أو شكلها أو أسلوبها، فالخيار المتبقي هو السعر.

وهنا تبدأ المنافسة على التخفيضات والعروض والقرب الجغرافي، وهي معركة لا تستطيع كل العلامات الفوز بها بسهولة.

العلامة التي تملك شخصية واضحة يمكن أن يوصي بها الناس بالاسم.

أما العلامة التي لا تمتلك شيئا يميزها، فغالبا ما يوصي الناس بالعطر نفسه أو بالمكون أو بالفئة العطرية، وليس بالعلامة ذاتها.

هل الحل أن تكون مختلفا بأي ثمن؟

لا أعتقد ذلك.

ليست كل فكرة غريبة فكرة جيدة، وليست كل علامة تحتاج إلى اختراع شكل جديد للزجاجات أو لغة معقدة في الكتابة.

الفكرة أبسط من ذلك.

اختر شيئا واحدا يمكنك أن تمتلكه.

  • لون معين.
  • أسلوب تصوير.
  • طريقة تسمية العطور.
  • تفصيل صغير يتكرر باستمرار.
  • أو حتى طريقة كتابة النصوص ووصف الروائح.

القوة لا تأتي دائما من كثرة الأفكار، بل من تكرار الفكرة الصحيحة لفترة طويلة بما يكفي حتى تصبح جزءا من ذاكرة الناس.

الفخامة ليست لونا ذهبيا

أحيانا أشعر أن كلمة “فاخر” أصبحت مرتبطة بمجموعة محددة من العناصر البصرية: عبوة ثقيلة، تفاصيل ذهبية، لون أسود، وصندوق كبير.

لكن هل هذه هي الفخامة فعلا؟

ربما كانت كذلك في مرحلة معينة، لكنها تتحول مع كثرة الاستخدام إلى لغة مشتركة لا تميز أحدا.

العلامة القوية ليست تلك التي تضع أكبر قدر من الذهب على العبوة، بل تلك التي تستطيع أن تترك أثرا واضحا في الذاكرة.

قد يكون ذلك من خلال لون محدد، أو طريقة تصوير، أو أسلوب كتابة، أو حتى موقف واضح من صناعة العطور نفسها.

الفكرة ليست أن تكون مختلفا في كل شيء، بل أن تمتلك شيئا واحدا يمكن أن يربطه الناس بك.

ربما المشكلة ليست في التشابه نفسه

إذا تأملنا الأمر قليلا، سنجد أن التشابه ليس عيبا دائما.

المشكلة تبدأ عندما تتحول العلامة إلى نسخة يصعب تذكرها، شئ ينساه الجمهور بسرعة.

يمكن لعلامتين أن تستخدما الزجاجة نفسها من المورد نفسه، أو الغطاء نفسه، أو حتى اللون نفسه، لكن إحداهما تنجح في بناء شخصية واضحة، بينما تبقى الأخرى مجرد اسم إضافي على الرف.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس:

لماذا تبدو العلامات متشابهة؟

بل:

ما الشيء الوحيد الذي سيجعل الناس يتذكرون هذه العلامة بعد أن يغلقوا المتجر أو يمروا إلى الرف التالي؟

ربما تبدأ الهوية من قرار صغير.

لكن هذا القرار الصغير، عندما يتكرر بما يكفي، قد يصبح أهم من الزجاجة نفسها.


أسئلة شائعة

لماذا تبدو معظم ماركات العطور متشابهة في الألوان والتغليف والشعارات؟

    لأن العلامات تعمل داخل فئة لها رموز بصرية متكررة مرتبطة بالفخامة، مثل الأسود والذهبي والألوان المحايدة والزجاجات الثقيلة. كما أن استخدام عناصر مألوفة يجعل المنتج مفهوما بصريا بسرعة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه العناصر مشتركة بين عدد كبير من المنافسين. أبحاث الهوية البصرية تشير إلى أن اللون والشكل والشعار لا يصبح أي منها أصلا مميزا للعلامة إلا عندما يرتبط بها في ذاكرة الجمهور بشكل واضح وفريد.

    ويعود ذلك أيضا إلى اعتماد كثير من الشركات على الموردين والمصانع نفسها، ما يساعدها على خفض تكاليف الإنتاج وتسريع عملية التصنيع، وهو ما قد يؤدي إلى تشابه بعض عناصر التغليف والتصميم بين العلامات التجارية.

    هل تعتمد ماركات العطور على القوالب الجاهزة نفسها عند تصميم الهوية البصرية؟

      أحيانا نعم، لكن ليس بالضرورة بمعنى أن العلامات تستخدم “قالبا واحدا” جاهزا. جزء من التشابه يأتي من اتباع اتجاهات التصميم السائدة، وجزء آخر من استخدام عناصر إنتاج وتصميم شائعة في صناعة التعبئة. لذلك قد تبدو علامات مختلفة متشابهة حتى عندما تكون هوياتها مصممة بشكل مستقل. المهم هو أن التصميم النهائي يملك عناصر يمكن للجمهور ربطها بالعلامة نفسها، وليس بمجرد فئة العطور الفاخرة.

      لماذا تستخدم علامات العطور كثيرا ألوان البيج والأسود والذهبي؟

        لأن هذه الألوان يمكن أن تنقل بصريا إيحاءات مرتبطة بالفخامة والهدوء والرقي، كما أن اللون يساعد المستهلك على تكوين توقعات عن المنتج قبل تجربته. لكن الذهبي أو الأسود وحدهما لا يصنعان هوية مميزة؛ فالقيمة الحقيقية للون تأتي من تكراره بطريقة مرتبطة بعلامة معينة ومن قدرة الجمهور على التعرف عليها من خلاله.

        هل يكفي اختيار زجاجة غريبة لجعل ماركة العطور مختلفة؟

          لا. الزجاجة الملفتة قد تجذب الانتباه، لكنها لا تعني بالضرورة أن المستهلك سيتذكر اسم العلامة أو يربط التصميم بها لاحقا. مفهوم الأصول المميزة للعلامة التجارية يقوم على أن الشكل أو اللون أو العبوة يجب أن يساعد الجمهور على التعرف إلى العلامة، لا أن يكون مجرد تصميم جميل. وفي المقابل، توجد أدلة بحثية على أن تصميم عبوة العطر يمكن أن يؤثر في نية الشراء، لذلك فالزجاجة مهمة، لكنها ليست العنصر الوحيد.

          ما العناصر التي تساعد العميل على تمييز ماركة عطر من شكل العبوة فقط؟

            يمكن أن تكون شكل الزجاجة، لون محدد، الشعار، الخط، نمط الزخرفة، شكل الغطاء، أو حتى طريقة عرض العبوة عناصر مميزة. لكن استخدامها لا يكفي وحده؛ يجب أن تتكرر باستمرار حتى يتعلم الجمهور ربطها بالعلامة. والأهم أن تكون العناصر مميزة فعلا وليست مجرد عناصر شائعة في سوق العطور. ويمكن اختبار ذلك بعرض العنصر على المستهلكين من دون اسم العلامة وقياس مدى قدرتهم على التعرف إليها.

            اترك تعليقاً

            لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

            زر الذهاب إلى الأعلى